ليتني أعود صبية
ليتني أعود صبية، قبل أن يصبح الحزن سمة من سماتي، قبل أن تتشابك أوجاعي في قلبي كما تتشابك خيوط العنكبوت في الزوايا المظلمة، قبل أن أتعلم أن الفرح ليس إلا سرابًا، وأن الطريق إلى السلام الداخلي مليء بالعثرات والأشواك التي تشق القلب. ليتني أعود صبية، قبل أن تصبح الذاكرة مظلمةً كما هو الحال الآن، قبل أن تصبح الذكريات مجرد أطياف شبحية تمر أمامي بسرعة، لا أستطيع الإمساك بها، لا أستطيع أن أستمتع بها كما كنت أستمتع عندما كنت أركض بلا هدف، بلا حمل، حين كانت الحياة سهلة كالماء، أما الآن؛ فهي ثقيلة كالجبال، تطحنني بين يديها. كبرتُ، كبرتُ حتى أصبحت كل كلمة حب أفقدها بمثابة جرحٍ في قلبي، كل وعدٍ غير مُنفذ يمزقني إلى أشلاء، كل لحظة كانت مليئة بالبهجة أصبحت تترك في داخلي فراغًا لا يُملأ، كل ضحكة أسمعها الآن هي مجرد صدى لضحكات كانت تملأ عالمي، وتنسج حولي أملاً كان مستحيلًا. ليتني أعود صبية، أصدق أن الغد يحمل لي أملًا، أن الأشياء الجميلة لا تذهب إلى الأبد، أن الصداقات لا تتحطم بمرور الزمن، وأن القلوب لا تُمحى كما يُمحى الطيف في الظلام. أين ذهب كل ذلك؟ أين ذهب الأمل الذي كنت أراه في عيون الجميع؟ أين اختفت تلك اللمسات الصغيرة التي تجعل الحياة جميلة، كاللمسة الدافئة على الجبين؟ أين اختفت الوعود التي كانت تلوح في الأفق كالنجم اللامع؟ كبرنا، كبرنا لكننا ضللنا في الطريق، لا شيء ينجح كما كنا نظن، الخيبة تطاردنا في كل خطوة، وحين نلملم شتات أنفسنا، نكتشف أن الوقت قد مضى ولم يعد لدينا ما نخسره. ليتني أعود صبية، أركض بلا وجهة، بلا خوف، أبكي بحرية دون أن أخشى حكمًا أو قيودً، أحلم بعالم لا يسرق منا الطفولة، عالمًا لا تتحطم فيه الأحلام على صخور الواقع القاسية. كبرتُ، وحين كبرت؛ تعلمت أن الحياة ليست عن النجاح فقط؛ بل عن القدرة على الاستمرار رغم الفشل، عن تعلم كيف تبتسم رغم الجروح، كيف تسير رغم أن الأرض تحتك تهتز من ثقل العمر. ليتني أعود صبية، أصدق أن كل شيء قابل للتصحيح، أن الحياة ليست مسابقة ضد الزمن، أن الفرح ليس بعيدا عن متناول اليد؛ ولكنني الآن أعرف أن كل لحظة تذهب لا تعود، وكل حب يذهب، لا يعيد نفسه أبدًا. إذاً، هل كان كل هذا حقيقياً؟ هل كان ذلك الفرح الذي شعرت به يومًا مجرد حلم عابر؟ أما الآن؛ فالزمن يمضي كالسكاكين في قلب متعب، لا أستطيع إيقافه، ولا الهروب من ركضه. ليتني أعود صبية، لأبحث عن الأمل بين أحجار الطريق، ولأشعر أن كل شيء سيكون بخير، حتى لو كان العالم كله ضدك؛ لكن الحقيقة المرة هي أن الطفولة مجرد ذكرى، وأن الزمن لا يرحم أحدًا، ولا يعيد لنا ما ضاع.
ک: مريم سعيد " حبيسة الماضي "