حين يتصارع القلب والعقل

حين يتصارع القلب والعقل...



في عمق الذات، حيث لا يطأ أحد، حيث تسكن مخاوفي وأحلامي، حيث يتنازع النور والظلُّ في أروقة روحي، يشتعل صراعٌ أزليٌّ بين قلبي وعقلي. كأنهما خصمان في ميدان معركة لا هدنة فيها، يتواجهان بسيوف منطقٍ ولهيبِ عاطفة، كلٌّ منهما يطالب بحقي كاملاً، وكأنني قطعةُ أرضٍ يتنازعان ملكيتها.

يصرخ القلب، هائجًا كبحرٍ لا يُروض: "اتبعني! فأنا من يمنحك الحياة، من يجعلك ترى العالم بألوانه الحقيقية، لا بجموده الرمادي! أنا من يخفق كلما لمحَت عينُك حبًّا، أنا من يسهر في حضرة الذكريات، من يضطرب كلما فاض الشوق بك، ومن يحترق كلما خذلتَ إحساسك!"

لكن العقل، بهدوئه الصلب، يبتسم بسخرية: "وأنا من يحفظك من نفسك! أنا من يريك الحقيقة بلا زيف، من يمنعك من السقوط في هوة الأحلام المستحيلة، من يحذرك حين يوشك قلبك على الاحتراق في نار لا تُطفأ. أنا من يُذكّرك أن الشعور متغير، أن النبض لا يكفي للحياة، وأنك حين تنهار... لن تجد غيري ليسندك!"

وأنا... أقف بينهما، ضائعًا كطفلٍ تائهٍ وسط عاصفةٍ لا ترحم. أميل حينًا إلى القلب، فأغرق في جنوني، أطلق العنان لأحلامي دون أن أخشى السقوط، أفتح أبوابي للحنين، وأركض خلف النبض بلا خوف. لكن قبل أن يبتلعني الطوفان، يجذبني العقل بقوة، يرسم لي طريقًا منطقياً، خالياً من ألغام العاطفة، ويهمس: "استيقظ، لا تخدعك الأحلام!"

لكن كيف أعيش بنصف قلب؟ وكيف أمضي بنصف عقل؟ كيف أختار بين النور الذي ينير دربي، والنار التي تدفئني؟ كيف أتخلى عن العاطفة التي تمنحني الحياة، أو العقل الذي يحميني من الموت؟ أيهما أثقل: ندمي على ما شعرتُ به، أم ندمي على ما لم أسمح لنفسي أن أشعر به؟

إنه صراعٌ بلا هدنة، بلا حكمٍ يفصل بينهما، بلا منتصرٍ ولا منهزم. مجرد معركة خالدة بيني وبين ذاتي، بين ما أريده وما أحتاج إليه، بين ما يحلم به قلبي وما يحذرني منه عق لي... وبينهما، أقف حائرة، ممزقةً بين أن أحيا بعاطفتي، أو أن أنجو بعقلي.



ك/ مريم سعيد "حبيسة الماضي"

إرسال تعليق

أفرحنا بتعليقك هنا

أحدث أقدم